الثلاثاء 23 ربيع الأول 1439 هـ الموافق 12 ديسمبر 2017 مـ
د. علي بن حمزة العمري
كتاب الفقه المضيء

المقالات

المولد النبوي

المولد النبوي

تاريخ الإضافة: الخميس, 01 سبتمبر 2016 - 14:55 مساءً | عدد المشاهدات: 539

كلما هلَّ هلال ربيع الأول، وجاء ذكر المولد النبوي الشريف، أتذكر مثلاً قلته لصديقي قبل أعوام:

إنَّ حالنا مع المولد النبوي، كحال رجل دعاه صديقٌ لتناول طعام شهي وشراب زكي، وهما متفقان على حبه ولذته، ولما وصلا للمكان وطال طلبهما وجدا أن الطعام الذي قُدِّم لهما غير ما يرجون، فانقلب سرورهما حزناً، وطال بينهما العتاب والملام!

إن الحديث عن المولد النبوي كالحديث عن الإبرة التي يدخل فيها الخيط، فيمكن أن تنقش صورة جميلة لطيفة حسنة، ويمكن أن تنقش صورة قاتمة متشابكة غير سارة!

إن المتفق عليه أنه بولادة النبي صلى الله عليه وسلم تحققت الخيرية للأمة، فهو الهادي إلى صراط مستقيم، والرحمة المهداة، والمعبر لدخول الجنة.

وتذكر هذه المعاني هو رصيد في عمق المحبة للمُحب، وتحريك للواعج الطائع المشتاق.

فقد امتدَح ولادةَ النبي صلى الله عليه وسلم جدُّه عبد المطلب، وأخذه إلى الكعبة يحمدُ الله ويثني عليه، ويقول:

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَعْطَانِي
قَدْ سَادَ فِي الْمَهْدِ عَلَى الْغِلْمَانِ
حَتَّى يَكُونَ بُلْغَةَ الْفِتْيَانِ

 

هذا الْغُلَامَ الطَّيِّبَ الْأَرْدَانِ
أُعِيذُهُ بالله عظيمَ الشانِ
حَتَّى أَرَاهُ بَالِغَ الْبُنْيَانِ

أَنْتَ الَّذِي سُمِّيْتَ فِي الْفُرْقَانِ

 

فِي كُتُبٍ ثَابِتَةِ الْمَبَانِي

أَحْمَدَ مَكْتُوبٌ عَلَى اللسان


وقد استأذنه عمه العباس أن يمتدحه فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: قل، فقال:

مِنْ قَبْلِهَا طِبْتَ فِي الظِّلَالِ وَفِي
ثُمَّ هَبَطَّتَ الْبِلَاد لَا بَشَرٌ
بَلْ نُطْفَةٌ تَرْكَبُ السَّفِينَ وَقَدْ

 

مُسْتَوْدَعٍ حَيْثُ يَخْصِفُ الْوَرقُ
أَنْتَ وَلَا مُضْغَةٌ وَلَا عَلَقُ
أَلْجَمَ نَسْرًا وَأَهْلَهُ الْغَرَقُ

وروى الحاكم في مستدركه وصححه الذهبي عن عبدالله بن سلام قال: "ما خلقَ الله خَلْقاً أكرمَ عليه من محمد، فقيل له: ولا جبريل ولا ميكائيل؟ فقال للسائل: أتدري ما جبريل وميكائيل؟ إنما جبريل وميكائيل خَلْق مسخر كالشمس والقمر، وما خلق الله خلقاً أكرم عليه من محمد".

وترجمة هذا الشوق بإبداء الحب، والاحتفاء بالمحب، من المديح المسموح، والتذكير المشروع، مما صحَّ من شمائله وسيرته، سواء سيقت في خطبة جمعة، أو محفل عام، أو جمع أسري، هو عندي في دائرة المباح.

وذكر يوم ولادته الشريفة كذكرى عاطرة جاءت على لسان النبي صلى الله عليه عند ذكر سبب صيام يوم الإثنين، إذ قال صلى الله عليه وسلم: "ذلك يوم ولدتُ فيه". رواه مسلم.

وأما تجييش العواطف والأموال والأعمال والأحوال وتخصيص الليالي المفضية لترك واجبات الحياة، والتجمع بالرقص ودق الطبول، والإهداءات لحضرة السيد فلان وفلان، وإلزام العوائل بأوراد وقصائد منسوبة غير مأمونة، أو غير منسوبة مغشوشة، وما فيها من قعود وقيام، ومناحٍ وخلط وزحام، فكلُّ هذا هدم للدِّين، وعبث بجماله، وإشغال للنفس، وإهمال للقلب!

إن محبة محمد صلى الله عليه وسلم في القلب لا تُسقى بليلة شعرية، ولا تُروى بحفلة مولدية، إنما تكونُ - بما أفهمنا صلى الله عليه وسلم - كما في صحيح مسلم، يومَ يكونُ أحبَّ إلينا من أنفسنا وأموالنا وأهلينا وأولادنا والناس أجمعين!

وأظنُّ أنه إلى هنا - مما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في حبه - ينبغي أن نكفَّ عن الجدال والحوار، وننتقل في يوم ولادته الشريفة للوقوف طويلاً حول الأسئلة الحائرة...

يا ترى هل هذه هي الأمة المحمدية التي شرفها الله برسوله صلى الله عليه وسلم لتكونَ خير أُمة أخرجت للناس، التي تأمر بالمعروف بكل ما تستطيع، وتنهى عن المنكر في كل مكان بالمشروع والـمـُستطاع؟

ويا ترى هل هذه هي الأمة المحمدية التي تنافحُ وتدافعُ عن رسولها بالاهتداء بهديه، والوقوفِ عند أمره ونهيه، إذ كيفَ تكون النصرة لمن لم ينصره في نفسه؟!

ويا ترى هل هذه هي الأمة المحمدية التي تدعو إلى ربها على نهج إمامها محمد صلى الله عليه وسلم، فتكون الشاهدة الرائدة الناهضة؟

ويا ترى هل هذه هي الأمة المحمدية التي قال عنها حبيبها ورسولها صلى الله عليه وسلم: "من أشدِّ أمتي لي حُباً ناسٌ يكونون بعدي يودُّ أحدهم لو رآني بأهله وماله"؟. رواه مسلم.

ويا ترى هل هذه هي الأمة المحمدية التي سيدافع عنها النبي صلى الله عليه وسلم يوم العرض الأكبر، ويقول يا رب: أمتي، أمتي، أمتي، أم منها من سيُقال عنهم: يا محمد، لا تدري ماذا أحدثوا بعدك؟!

أسئلة تُطرح للحاكم والمحكوم، للرجل والأنثى، للأب والأم، للشاب والفتاة، للرئيس والمرؤوس، للمعلم والتلميذ، للتاجر والعامل، للإعلامي والفني، للعالم والقاضي، للطبيب والباني، لكل مسلم يسمع كل يوم خمس مرَّات (أشهد أن محمداً رسول الله).

ألا يتساءل الموافقون والمانعون للمولد النبوي الشريف، أن محمداً صلى الله عليه وسلم جاء ليصلح المسيرة، ويُحيى مكارم الأخلاق، ويدعو الناس إلى دار السلام؟!

ألا يتساءل الجميع أنهم مطالبون بحبه وجوباً ولو أخطأوا وأسرفوا، وأنهم مطالبون باتباعه مهما كلفهم ذلك من ثمن؟!

إن أكبر خطيئة يرتكبها الوعَّاظ حين يفصلون المحبة عن الاتباع، أو حين يحرمون المخطئين من المحبة!!

إن حبَّ محمد صلى الله عليه وسلم واجب على كل مسلم، وهو عمل قلبي عاطفي، قبل أن يكون جوارحياً! فالصحابي الذي كان كثيراً ما يشرب الخمر - وهي كبيرة - شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بأنه "يحب الله ورسوله". رواه مسلم. وصحَّح المفهوم الخاطئ عند من غاب عن المنبع النبوي فلعن الصحابي بغير حق!

والوقوف عند هذا الحد فحسب فهم ناقص ومغشوش، فالحب شيء عظيم، ولصاحبه شأن كبير، ولكنه عاجز عن إدراك سر المحبة!

ففي الحديث "الرجل يحب القوم ولمْ يلحق بهم". رواه البخاري. وهو كناية عن المتَّبع الساعي الذي يحاول اللحاق بما يستطيع من قول وفعل لا القاعد المترنم!، فكان جزاؤه "المرء مع من أحب".

والحب طريقه معبَّد، وسبيله ميسر، فهو صلاة زكية كريمة، يكثر منها المحب "أكثروا عليَّ من الصلاة ". رواه أبو داود. وهي قراءة وتأمل في أحاديثه وسيرته العطرة على الدوام، إذ كيف يكون التحنان بلا معرفة وتذكار؟ (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ).

والتأسي ليس شعارات جماعة سلفية أو صوفية، وليس براهين شكلية في العمَّة والسُّبحة، أو في مجرد كتابة الردود والنقيصة.

والتأسي ليس اختياراً، أو انتقاءً، أو فهماً خاصاً!

فالمحبُّ المتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم ليس من يحرص على المواعيد، ويلبس الجميل، ويتخلف عن الصلاة في جماعة! والمحب المتأسي ليس من يغضب على متعصبي المتدينين، والمشاكسين المنفرين، ويسمع الغناء، ويحلق اللحية، ويجالس النساء!

إنني أدرك أن هناك كثيراً ممن أساءوا فهم السيرة والحديث، وبالتالي فهم الدِّين، ولكنني أدرك كذلك أن الأسوة الحسنة ليست اختياراً وانتقاء وفهماً خاصاً ولو خالف صريح النص!

جعلنا الله من المتبعين لسنته عند فساد أمته. 

ما لي إلى قدركَ العلويِّ من نسب
لكنْ رأيتُ محباً أعوزتهُ يدٌ
قد أُشغلوا بضروبِ الحبِّ ما عرفوا
يا سيدي يا رسول الله معذرةً
وما عجزتُ لأنَّ الشعرَ أعجزني
فحسبها كلماتٌ قد رجوتُ بها
وإن يفتني مديحُ المصطفى شرفاً
في يومِ مولدكَ الميمونِ ما طلعتْ
محمدٌ وخصالُ الحمدِ قاطبة
أما الندى فكمثلِ الريح مرسلة
 وحلمه ما رأتْ عين ٌ ولا بَصُرتْ
والبأسُ إن شمَّرت عن ساقها فَبِهِ
إذا تحدَّث عذبُ القول منطقه
وإنْ تلفَّتَ كُلاًّ من تواضعه
وكاملُ الوصفِ ما في الناس مشبهه

 

لا الشعرُ يُسعدني فيه ولا نَسبي
 من البيانِ وأهلُ الشعرِ في لعبِ
 من المحبة إلا كلَّ ذي وصَبِ
 إذا دعتني القوافي ثمَّ لمْ أُجبِ
 لكن لأنك فوق الشعر والأدبِ
شفاعةَ يومٍ  لا يغني سواكَ نبي
 فذكرهُ قربةٌ من أعظمِ القُرَب
شمسٌ على مِثْلِهِ فضلا ً ولم تغبِ
 إليه نسبتها  يا أكرمَ النسب
إذا تجودُ على البيداءِ بالسحبِ
 كمثلهِ أبداً في ساعةِ الغضبِ
يلوذُ كلُّ عظيمِ البأسِ مرتَهبِ
يُغنيكَ مجملهُ عن مُسْهَبِ الخُطبِ
 وإنْ مشى فكما ينحطُّ من صَبَبِ
خَلْقاً ولا خُلُقاً منه بمقْتَرِبِ

 

التعليقات

1 - hawari

الإثنين, 03 ابريل 2017 - 11:34 صباحاً

شكرا يا دكتور

شاركنا بتعليق