الجمعة 29 محرم 1439 هـ الموافق 20 أكتوبر 2017 مـ
د. علي بن حمزة العمري
كتاب الفقه المضيء

المقالات

أدب السلف في هضم النفس

أدب السلف في هضم النفس

تاريخ الإضافة: الثلاثاء, 06 سبتمبر 2016 - 15:58 مساءً | عدد المشاهدات: 685


قد يعجز التاريخ حقاً عن أن يصف رجالاً: عظيمة أخلاقهم، طاهرة نفوسهم، عالية همتهم، سامية أهدافهم، عاشوا في الدنيا وهم مدركون لحقيقتها.

لذا تجدهم عاملين للآخرة، مستعدين لها، فهم في حُسن علاقة مع ربهم، وعلى قدر عظيم من الأدب والأخلاق مع الناس. وأمثال هؤلاء الصالحين يخجل والله منهم أبناء الجيل الذين يستمعون لأحوالهم وأخبارهم.

قال أحمد بن ماهان: سُئل أحمد بن حنبل عن مسألة في الورع، فقال: أستغفر الله، لا يحل لي أن أتكلم في الورع وأنا آكل من غلّة بغداد، لو كان بشر بن الحارث، صلح أن يجيبك عنه، لأنه كان لا يأكل من غلة بغداد، ولا طعام السواد.

قال الحسن بن محمد بن أعين: سمعت أحمد بن حنبل يقول: لولا بشر بن الحارث وما نرجو من استغفاره لنا، لكنا في عُطلة.

وقال الحسن بن الليث الرازي: قيل لأحمد: يجيئك بشر بن الحارث، قال: لا تعنُّوا الشيخ، نحن أحق أن نذهب إليه.

وذكر بشر بن الحارث في مجلس أحمد، فقال: ما كلمته قط.

في هذا الخبر العجيب، تظهر الأخلاق العالية، والآداب الراقية لأئمة السلف.

فالإمام أحمد وهو إمام أهل السنة والجماعة، وشيخ المسلمين في زمانه، يبين مدى افتقاره لاستغفار بشر بن الحارث له، وأنه بسبب دعائه له حصل له الخير، وكان الإمام أحمد يجلُّ بشر بن الحارث، حتى إنه عندما سمع بزيارته له قال: لا تعنُّوا الشيخ!!.

مع أن الإمام أحمد عظيم القدر كبشر بن الحارث، ولكن هذا الموقف يبرز عمق الأدب في نفوسهم، وأن هذا التواضع هو سبب رفعتهم عند الله، ورفعتهم في نفوس الناس.

ومع مكانة بشر بن الحارث عند الإمام أحمد، إلا أنه ما كلّمه في مجلسه قط!، بل كان يحضر مجلسه ويكتفي بمجالسته ومشاهدته!، وهذا الخبر يوضح لنا أمراً تربوياً مهماً في حياة الصالحين، فهم على شدة تقواهم وعلمهم وإيمانهم، يعرضون أنفسهم لمجالس الصالحين، ولو بالمجالسة والمشاهدة.

فهل يعي جيل اليوم هذه الأمور؟.

اللهم أنت أصلحت الصالحين، فاجعلنا منهم.  

شاركنا بتعليق