الثلاثاء 23 ربيع الأول 1439 هـ الموافق 12 ديسمبر 2017 مـ
د. علي بن حمزة العمري
كتاب الفقه المضيء

المقالات

حلب .. وذاكرتنا المنسية

حلب .. وذاكرتنا المنسية

تاريخ الإضافة: الإثنين, 17 اكتوبر 2016 - 15:00 مساءً | عدد المشاهدات: 1,321


ناجيتُ طيفك في الأحلام يا حلبُ *** فهزَّني من هواكِ الزهو والطَّربُ

وكـــل حاضرةٍ في الشــــــرق حاضرتي *** لكنَّ أجمــــلَ دارٍ زرتهــــــــــــا حَــلبُ

هي والله هكذا كما قال الشاعر وأجمل ..

عندما تزور حلبَ تجد فيها عبق التاريخ وروائع الحضارة، وأصالة الناس وطيبتهم، كأنها المدينة التي لم يمسَّها زيف التغيير باسم الحضارة، كما عبَّر المتنبي:

حسن الحضارة ممزوجٌ بتطرية *** وفي البداوة حُسْنٌ غير ممزوجِ
والمتنبي نفسه هو من قال عن حلب:

كلما رحَّبتْ بنا الرَّوضُ قلنا *** حلبٌ قصدنا وأنتِ السبيل

حلبُ سيفُ الدولة بن حمدان، حلبُ المتنبي، حلبُ أبو فراس، وأبو بكر الصنوبري، وكشاجم، حلب نور الدين محمود بن زنكي الذي فتح حصون الروم، حلب الأمراء والشعراء والأدباء والعلماء، حلبُ الانتصارات، تلك المملكة الصغيرة التي هزمت جيوش الروم وكانت خط دفاع أول عن باقي بلاد المسلمين، حلب الرياض والبساتين، والكرم والجود:

أرتك يدُ الغيـــــــــــــــث آثارَها *** وأخرجت الأرض أزهارَها

وما أمتعـــــــــتْ جارَهَــــا بلدةٌ ***  كما أمتعتْ حَلبٌ جارَها

هي الخلدُ يجمعُ ما تشتهي *** فزرها، فطــــــوبى لمن زارَها! (كشاجم)

حلبُ تلك البشرى التي مهدت قديماً لفتح القدس، فقد دخلها صلاح الدين فاتحاً، وعقب ذلك أنشده القاضي يحيى شرف الدين أبو المعالي القرشي قصيدة جاء فيها:

وفتحُكَ القلعةَ الشهباَءَ في صفرٍ *** مبشرٌ بفتوح القدسِ في رجب

فكان ما قال، ودخل صلاح الدين القدس في رجب سنة 583 من الهجرة.

حلبُ وصفها صاحب "النفحة المسكية في الرحلة المكية" فقال وأبدع وصدق فيما قال: "هي جنة الدنيا وخزائن الإسلام، رفيعة البناء، حسنة الأسواق والخانات والحمامات، فيها العلم ظاهر نبراسه، ومحكم أساسه، رفيعة أعلامه، منيعة حصونه وآكامه، فيها العمل الصالح مشهور، والخير عنها مأثور، أهلها في غاية الرقة واللطف، ونهاية الشفقة والعطف، لهم جِدٌ في تحصيل العلوم، وكثرة اشتغال في معرفة المنطوق والمفهوم، ومواظبة على الجمعة والجماعات، ومداومة على تعاطي المبرات، ما دخل حلب غريب من العلماء إلاَّ ونال من إحسانهم، وتمنى أن يكون وطنه من جملة أوطانهم، فلله درهم فلهم أخلاق مسكية، وشمائل ذكية، ولين الجانب، وخفض الجناح للأجانب، لهم حسن ظن واعتقاد، مزايلون الإنكار والانتقاد".

والآن دعونا نقصد (حلب)..

حَلبُ أو الشهباء، أكبر مدن سوريا، وهي من أقدم مدن العالم، يقال إن اسمها ينسب إلى إبراهيم عليه السلام حيث كان يحلب غنمه ويتصدق على الفقراء، وفي زمن الدولة العثمانية كانت ثالث مدينة بعد اسطنبول والقاهرة، فتحها الصحابي الجليل خالد بن الوليد، وهي مركز استراتيجي مهم، وبها ثقل سكاني مؤثر؛ حيث كانت ترتبط بالعراق عبر السكك الحديدية إلى الموصل، وبها مناطق حيوية (عنتاب ومرعش ومرسين وأضنه).

وكلها مناطق تم الاستيلاء عليها في اتفاقية بين أتاتورك والانتداب الفرنسي، كما تم حينها قطع السكك الحديدية المؤدية للموصل في العراق، كما أن بها مصانع المنسوجات القطنية والزراعية التي تغذي الشام، وهي مدينة يسكنها أهل السُّنة.

ومع بداية الثورة السورية المجيدة، شارك أهل حلب كل مدن الشام الثائرة، وانطلقت أول مظاهرة ربيع الشام العربي في 25 مارس 2011م، وخرجت أول مظاهرة تحمل اسم (جمعة العزة)، وتلتها (جمعة لن نركع إلا لله)، وكلها عناوين تدلُّ على ما يضمره أهل هذه المدينة من إيمان بالله، وصمود في وجه الظلم، بل حتى السَّاحات التي كانت فيها المظاهرات تدلُّ على وعي أهل هذه المدينة بتاريخهم وحراكهم الثوري؛ فقد خرج الأهالي في ساحة (سعد الله الجابري) الذي كان أول رئيس للحكومة السورية بعد الاستقلال، وهو من حلب، وبعده (ناظم القدسي) و(معروف الدواليبي)، وكلاهما من حلب، وهذا الأخير (معروف الدواليبي) نشر مذكراته التي تعتبر من روائع العصر وأعاجيبه، ولو أنَّ منتجًا واعيًا التفت إليها وأنتجها سينمائيًّا لمثلت بمفردها هزَّةً ثوريَّةً؛ وذلك لما تحمله الذكريات من إثارة لا تنتهي، وحتى يُتاح هذا؛ فللقارئ أن يسرع بالتمتع بها، وهي من مطبوعات (مكتبة العبيكان) بالرياض.

ولابدَّ هنا أن نذكر الموقف النضالي للزعيم الوطني الجليل (إبراهيم هنانو)، الذي كان له دور كبير في الحراك الثوري ضد المستعمر الفرنسي.

لقيمة ما مضى وأهميَّته ودوره، ركَّز المجرم اللعين بشار الأسد وحزبه على مدينة حلب؛ لقصفها، وشلِّ الحياة فيها.

وإلا فماذا يعني قصف المدراس، والمستشفيات، والمساجد، وحتى الكنائس، والأسواق العامة؟!

وكل هذا بتآمر الإلحادي الروسي والصفوي الإيراني مع بشار البعثي وزمرته.

لقد كانت حلب قديمًا صفًّا واحدًا (سنة وشيعة) ضد الغازي المستعمر، وكان الشيعة هم الأكثرية في حلب، وكانوا من الشيعة الإمامية الاثني عشرية.

حتى إن القاضي الشيعي المشهور (ابن الخشَّاب) قادَ أول انتصار بعد الحملة الصليبية الأولى بعشرين عامًّا في معركة (حقل الدم).

وظلُّوا على هذا الحال عقودًا من الزمان؛ لأن الشيعة الإمامية لم يكن لهم مشروع سياسي، إنما كانت لهم بعض الرؤى العقدية والفقهية، ولكنها لم تكن على قطيعة مع المذهب السني، والصِّراع حول التاريخ!

والسؤال هنا .. ما الذي تغيَّر إذن؟!

والجواب أن شيعة اليوم انطلقوا من مبدأ واحد، يُعزِّزه أمران أساسيان:

أما المبدأ فهو (النزعة الإحلالية)، بإحلال الشيعة مكان السُّنة (مشروع سياسي)، وهذا حصل ثلاث مرات في التاريخ.

الأول: في الدولة الفاطمية. الثاني: الدولة الصفوية. الثالث: الدولة الإيرانية.

وتحقيق ذلك وتعزيزه جرى بأمرين:

الأول: ثقافة الحزن والبكائيات على ثارات زينب والحسين، وتحميل أهل السنة منذ عصر سيدنا معاوية ليومنا هذا إثم ذلك على الرغم من أن أهل السنة يُجِلُّون كل آل البيت وخصوصًا الحسين رضي الله عنه، ويجلون كل الصحابة رضوان الله عليهم دون تفرقة ودون تجاوز في حق أي منهم، فأهل السنة أحق بالحسين وآله من الآخرين الذين يتخذون حبهم سبيلاً لطموحات ومصالح سياسية ودنيوية!!

الثاني: دفع الخُمس من المال، وجوبًا، ولا يخفى على متابع خبير أن من هذه الأموال ما يوجه إلى التدخل في شؤون الآخرين، ومنها ما يقتلون به نساء سوريا وأطفالها.

فكل بشاعة التنكيل والقتل والإبادة والاغتصاب وهدم البنى التحتية، كل ذلك من أدوات المحتل الإيراني واستراتيجياته لتغيير الجغرافيا من خلال العبث بالديموغرافيا، فتنشأ مناطق نفوذ لطائفة على حساب أخرى، وهو ما يذكرنا بالمذابح المروعة والتهجير القسري الذي قام به الاحتلال الصهيوني من أجل إقرار أمر واقع في فلسطين بعد القضاء على من يستطيع من أهلها.

ومثل هذا التحالف بين البعثيين السوريين، والصفويين الإيرانيين، والملحدين الروس أنتج آلة للقتل والتخريب والإرهاب المتدثر بدثار مكافحة الإرهاب، وكان من نتائجه وآثاره:

1- دخول (65.000) مقاتل أكثرهم من إيران، ثم لبنان، ثم من العراق، واليمن، وباكستان، وأفغانستان!!

2- دخول (15.000) مقاتل روسي، بكل معداتهم الحربية وبارجاتهم المتطورة.

وكانت نتيجة الدخول الروسي مع التحالف الإيراني الذي يقود المعركة وتبعية النظام البعثي السوري لهما، في الفترة من (سبتمبر 2015م) إلى (مايو 2016م) ما يلي:

1- استشهاد (246) امرأة، و(565) طفلًا.

2- عدد الجرحى (30.000).

3- (نصف مليون) نازح.

4- (2000) مجزرة.

5- (2 مليون) طفل حرموا من الدراسة.

6- (8000) حالة اغتصاب.

7- (100.000) معاق.

8- هدم (261) منشأة.

منها (58) مبنى حكوميًّا، (62) مستشفى، (52) مدرسة، (54) مسجدًا، (27) مأوى سكنيًّا، (2) مركز ثقافي، (5) محطات.

واستخدمت لأجل ذلك الصواريخ الفراغية، والفسفورية، والعنقودية، المحرَّمة دوليًّا!!

وبعد كل هذه الإحصائيات الرسمية التي نشرها (المجلس الائتلافي للحكومة السورية) نتساءل:

- لماذا يغلي العالم العربي على الأنظمة الفاسدة، ويستمر في ثورته للنهاية؟!

- لماذا خرجت داعش اللعينة، ومَن أثارها، وحرَّك فجورها، واستقطب الكثير من الشباب لها؟!

- لماذا المنع للنصرة الشعبية بالمال، والنصرة العربية بالجيش والسلاح؟!

- ولماذا السكوت العَالمي، والتصريحات الكذوبة، وهم من يتحالفون ويتضامنون ويشجبون ويستنكرون عندما يحدث عمل إرهابي محدود هنا أو هناك في أوروبا، ومن ذلك مثلاً اجتماع أكثر رؤساء ومسئولي الكرة الأرضية عندما حدثت تفجيرات إرهابية في مقر صحيفة مسيئة للرسول بفرنسا، ونراهم يغطون في نوم عميق ولا يكادون يبصرون أو يسمعون أنات عشرات الآلاف من الضحايا والأطفال الذين يقصفون بالبراميل المتفجرة والطائرات المقاتلة والأسلحة الكيماوية! للأسف فإن المؤسسات الدولية أمام اختبار قيمي كبير، وأوروبا بالذات أمام امتحان أكبر، فهل تغلب المصالح على حساب ما تدعو إليه من احترام لحقوق الإنسان وهم من يساعدون أكبر مجرم إرهابي في تاريخ المنطقة، إما بالمدد أو بغض الطرف عنه؟! يا ترى إلى أين تؤول الأمور؟

بطبيعة الحال لا أريد جوابًا؛ لأننا لا نحن ولا الحكومات العربية نملكه، ولندع الجواب اليوم أو غدًا أو في المستقبل القريب للأحرار في الشام؛ فقد تركوا لنا التنديد والشجب والخطب العصماء، وهم كسروا المنابر وأراقوا حبر البيانات، وقالوا:

قلنا وأصغى السامعون طويلا *** خــــــــــلوا المنابر للسيوف قليلا

ونحن نقول: أي نعم!!

شاركنا بتعليق