الجمعة 29 محرم 1439 هـ الموافق 20 أكتوبر 2017 مـ
د. علي بن حمزة العمري
كتاب الفقه المضيء

المقالات

خطيب الجمعة واتهام المجتمع

خطيب الجمعة واتهام المجتمع

تاريخ الإضافة: الأحد, 04 ديسمبر 2016 - 18:27 مساءً | عدد المشاهدات: 2,680

أثار مقطعٌ قديمٌ للخطيب (سعيد بن فروة) المجتمعَ الأسبوعَ الفارطَ، وامتدَّت التصريحاتُ الرسميةُ من سماحة المفتي العام إلى وزارة الشؤون الإسلامية إلى إمارة منطقة عسير، ثم مرورًا بسيلٍ هادرٍ من التغريداتِ والتعليقاتِ في وسائل التواصل الاجتماعي، ومجموعات "الواتساب"؛ فضلًا عن المقالات، وعدد من اللقطات المرئية  "snaps"، التي أثبتت بمجموعها تأثيرها في تحريك الرأي العام.

ما حدث من إثارة مجتمعية؛ تمثلت في التعليقات، هي ردة فعل طبيعية لمجتمع بات يعتمد على الحُجَّة واحترام العقول والنفوس، كما صار ينفر من التصنيفاتِ الراديكالية التقليدية من الطرفين المتطرفين.

الطرف المتشدد باسم الدِّين، الغاضب على كل مخالفة شرعية؛ بأسلوب اللعن والتكفير والتشهير متساهلًا متجاوزًا الضوابط الشرعية المعتبرة.

والطرف الليبرالي المتشدد الناقم على مشروعات الفضيلة، ونجاحات الدعاة والمصلحين، ومحاولة تشويهها، وتصنيف أصحابها وتخوينهم.

وهذه المرة أصبحت الجولة على أصحاب الصنف الأول الذين أبرزَهم مقطعُ الخطيب الذي أثار الرأي العام باتهاماته لعدد من الأطباء الشباب، والمبتعاث للخارج، وذويهم، فضلًا عن مقاطع متعددة له مضمونها تكفير مُمثلين وقنوات تلفازية.

بدايةً من حق الخطيب، وكل خطيب، كما يأمر بالمعروف ويسهم في إصلاح القلوب وتنوير العقول وتذكير النفوس، أن يسهم في النهي عن المنكر، والتحذير من الموبقات والكبائر، وكل ما يجلب سخط الله تعالى ومقته.

ولكن السؤال: ما هو المنهج النبوي ثم الراشدي؛ لتصحيح أخطاء المجتمع؟

وما هي الوسائل المنهجية في التعبير عن هذه الأخطاء وإيجاد الحلول؛ لتتوافق مع روح الإسلام السمحة، وإيصال النصيحة بشفقة وصدق؟

بالرجوع للمقطع المتداول، ورغم ما ذكر بأنه قديم زمنيًّا؛ لكن الفكرة ذاتها ليست قديمة للأسف، وما زالت ماثلة في أذهان الكثيرين، وربما على ألسنتهم!

أن يُتَّخَذَ موقفٌ مناهضٌ أو مُحَرِّمٌ لدخولِ الفتاة لكليةِ الطب بحجة الخوف من أن يلقاها (شاب مايع)، حسب وصف الخطيب، أو أن يكون الاعتراض على ابتعاثها مع محرمها، بحجة أنه يكون مقيمًا في المنزل أثناء خروجها لكليتها أو معهدها، ومن ثم تتاح الفرصة للفتاة كي تجالسَ مُضاحِكَةً شَابًّا من بني الأصفر والأحمر؛ فإني أقول:

أولًا: إنَّ هذا الأمر وارد، وبعضه واقع، وهو خطر، ولكنه ليس الأكثر ولا الأعم!.

ثانيًا: إنَّ زيارةً للعديد من كليات الطب في المملكة سيجد المهتم نموذجًا مشرفًا ومنضبطًا بنسبة كبيرة، على أقل تقدير كما في كلية طب جامعة الملك عبدالعزيز بجدة، بحكم خبرتي بها، وبالزملاء الأطباء، والأصدقاء الطلاب.

وهذا يوضح كم هي المشكلة ضخمة ومتأزمة في مخيلة من هم ليسوا واقعيين، وموضوعيين، كما أن المشكلة تتضخم عندما يكيل أمثال هؤلاء التهم للمجتمع، وكأنه انحدر من أخلاقه واستسلم للشيطان، وهذا ظلم وإهلاكٌ للناس، وقد يؤدي للغرور بالنفس وتزكيتها، وهو معنى ما حذَّر منه الرسول الرحيم الخاتم ﷺ، بقوله: "إذا قال الرجلُ هلكَ الناسُ فهو أهلَكُهُمْ". [ رواه مسلم ].

ومن فقه الإمام مالك رحمه الله قوله: "إذا قال ذلك -هلكَ الناس- تَحزُّنًا لما يرى في الناس، يعني في أمر دينِهم؛ فلا أرى به بأسًا، وإذا قال ذلك عجبًا بنفسه وتصاغرًا للناس؛ فهو المكروه الذي نُهي عنه". اهـ.

إنني أتفهمُ أن الحرص والغيرة تحركان الناصح المتابع لتدهور جملة من أخلاق عدد من أبناء جيل اليوم؛ لكن الواقع أيضًا يُفهمنا أَنْ ثَمَّةَ جِيلٌ واعٍ يتأثر بهدايةِ السماءِ وإرشاداتِ الناصحين المحيطين بهم.

إن خلاصة المشكلة في مقطع الخطبة المتداول تتمثل في أن قدر الانفعال المجافي للدعوة بالتي هي أحسن، والأوصاف السلبية التي يسقطها على من يختلف معه في الرأي، وطريقته في الدعاء عليه؛ كل ذلك يؤدي إلى عدد من المخالفات الشرعية.

فلا الدعاء على الفاسق من المسلمين يقتضي شل أركانه وتكسير عظامه، ولا كل من دعا لفسقٍ ونشَرَه كافر، ولا كل من بعث ابنته كانت طُعمًا لذئبٍ، أو أن يكون رضا أهلها لها بالابتعاث من الدياثة!

وبطبيعة الحال تتحمل وزارة الشؤون الإسلامية عبئًا في مثل هذا النتاج الخطابي!

ففي تجربة خطابتي قرابة ٢٠ سنة بشكل رسمي؛ لا أتذكر دعوتي لنصف دورة تأهيلية، أو تقويمية؛ اللهم إلا متابعة الهفوات، والتفاعل المريب مع بعض متصيدي الكلمات، وتحويرها!

وقد جنيت حينها ما سيظل سجلَ خزي لمن غاب وعيه وساء فهمه وتجمد قلبه!

ولأني لم أدافع كما هو واضح عن بعض مضمون خطبة الخطيب الآنف - هداه الله للحق بالحق -؛ بقي لي أن أدافع عن سر بعث خطبة من مرقدها، وقد ألقاها صاحبها منذ زمن، وما نُقل من توضيح صاحبها لبعض ما فيها، واعتذاره عن غيرها في مرحلة ما. كل ذلك الهدف منه هو الوقوف على الثغرات في الخطاب الدعوي لجبرها وتقويم ما اعوج؛ فنكون قد استفدنا من النقد للفكرة، ولم نحرِمِ المنقود من التصحيح.

أما المطاردة للخطيب، ومصادرة كل ما لديه من حق وخير؛ فهذا أيضًا ما يجب تغييره في طريقة معالجة من يعنيهم الأمر لو كان يعنيهم!

 

التعليقات

1 - فائز بن شنيف

الإثنين, 05 ديسمبر 2016 - 20:36 مساءً

الخطيب أراد الحق وأضاع الطريق؛ فما قاله في خطبته موجود ولكن الأسلوب الغير جيد والحماس المفرط خانا الرجل.

شاركنا بتعليق