الخميس 4 ربيع الأول 1439 هـ الموافق 23 نوفمبر 2017 مـ
د. علي بن حمزة العمري
كتاب الفقه المضيء

المقالات

يسروا أيها العلماء

يسروا أيها العلماء

تاريخ الإضافة: الخميس, 23 فبراير 2017 - 13:40 مساءً | عدد المشاهدات: 766


في كل مرة يعود الحديث عن رفع الحَرج وضرورة التيسير على الناس، وخاصة في المسائل الخلافية، والوقائع التي تلوح منها علامات وتجارب المشقة، عاماً تلو عام، رغم التطورات المدنيّة، وغلبة الوعي الشرعي.

وإذا وجدت الأدلة المعتبرة فعلينا أن نفهم ونعتبر بقول القاضي أبي يوسف: "ما كانَ أرفق بالناس فالأخذ به أولى، لأنَّ الحرج مرفوع". [المبسوط:١١/ ٢٥]، ومنهج الإمام السَّرَخسي القائل: "لا بأس للإنسان من مباشرة ما يعتقد جوازه، وإنْ كان فيه اختلاف العلماء، ولا يكون ذلك منه تركاً للاحتياط في الدين". [المبسوط: ٢٣/ ١٣].

وعند سلطان العلماء العز بن عبدالسلام في قواعده: "قال الإمام الشافعي: بُنيت الأصول على أن الأشياء إذا ضاقت اتسعت. يريد بالأصول: قواعد الشريعة، وبالاتساع: الترخيص الخارج عن الأقيسة واطراد القواعد، وعبَّر بالضيق عن المشقة". [قواعد الأحكام: ٦٥٠٠].

وضبطاً لمسار حركة الرخصة والتشديد، قال الإمام الثوري: "إذا رأيتَ الرجلَ يعمل العمل قد اختُلف فيه، وأنت ترى غيره، فلا تَنهه". [ حلية الأولياء: ٦/ ٣٦٨]. وقال أيضاً: "إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة، فأما التشديد فيُحسنه كل أحد". [ المجموع: ١/ ٤٦].

وقد مرَّ على عالِمين معاصرين مسائل عديدة ونوازل حادثة، رأوا فيها الأخذ بالأرفق طالما وجد دليل ينصره، ولو خالف قول الجمهور.

يقول الشيخ محمد بن عثيمين: "وكنت أتهيب القول بهذا - مسألة السعي قبل الطواف - لأن الذين أمامنا دائماً يقولون هذا قول الجمهور وبعضهم يقول إجماع، لكني وجدت خلافاً في المسألة، وما دامت المسألة ليست إجماعاً فالواجب النظر في الأدلة وإن قلَّ القائل". [عن: رسالة في حكم تقديم السعي على الطواف: ٥].

ويقول الشيخ عبدالله بن بيه عن الشيخ يوسف القرضاوي: "يميل إلى التيسير في فتاويه الفروعية، لكنه يتصف بالقوة التي تدنو من الشدة في القضايا الأساسية والثوابت، يزاوج بين النصوص والمقاصد". [يوسف القرضاوي.. كلمات في تكريمه: ٨٨].

وحتى لا يلتبس على العالم رأيه الشرعي للناس بين الإلزام ومظنة الاجتهاد، نبّه العلامة ( محمد شفيع الدين العثماني ) إخوانه العلماء قائلاً: "لا بأسَ أن تكونوا حنفيةً في مذهبكم الفقهي، ولكن إيّاكم أن تتكلفوا جعل الحديثَ النبوي حنفيَّاً!". [مقدمة تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم: ٩٩].   

في هذا السياق أستشهد بحادثة في الحج عام ١٤٢٠هـ تقريباً حصل فيها موت عشرات الحجاج فوق جسر الجمرات، ورأيت بعيني العشرات يتساقطون من أعلى الجسر، وآخرون أمامي دهستهم بعض سيارات الكبراء عند المرجم لحظة الزوال في اليوم ١٢.

وكم أسفت وغضبت أول ما غضبت على من شدَّد في الأحكام، ولم يظهر السعة والخلاف الذي وجب بيانه.

وحدثني بعدها مسؤول كبير في الدولة وكان فيما قال: يجب إصدار فتوى من عامة علماء المسلمين، بضرورة التيسير في مسألة الرمي، ومراعاة الزحام في بعض المشاعر.

وقد كتبت المطلوب وعرضته على قرابة ٥٠ عالماً من العالم الإسلامي؛ وأوصلته للمسؤول موقعاً منهم؛ 

لتظهر فتوى رسمية في العام التالي بجواز الرمي قبل الزوال لمن أراد أخذاً بقول بعض أهل العلم. في حين كانت الفتوى تقول في سنة الكارثة وما قبلها: لا يجوز الرمي قبل الزوال.

بطبيعة الحال للعالِم أن يقول بما يدين الله به، لكن من الأمانة ذكر أوجه الخلاف الذي يقتضيه المقام بل يوجبه المقام.

قطعاً لا أزعم بالضرورة أن ما كُتب كان السبب الرئيس في تغير الفتوى الرسمية، ولكنه بالتأكيد كان المستند للمسؤول السياسي في الطلب من الجهة المعنية النظر في الفتوى.

إنني لآمل أن يوفق أهل العلم لدلالة الناس في هذا الزمن المعقد على الدِّين بالحكمة، واستصحاب اليسر في المسائل الخلافية؛ فقد نجمت مشكلات معاصرة للمسلمين "يصعب حلها لولا قواعد التيسير والتخفيف والسماحة ورفع الحرج في الإسلام". [فقه الضرورة والحاجة، د.عبدالوهاب أبو سليمان: ١٣٩].

كما جدَّت مستجدات ونوازل ينتظر الناس فيها رأي علماء الشريعة، والأصل أن "الشريعة الإسلامية ما جاءت لتَسُدَّ على الناس منافذ حاجاتهم الحقيقية، وإنما جاءت لتلبية الحاجات الصحيحة والمصالح الراجحة التي تستلزمها ظروف الحياة ومتطلباتها في كل زمان ومكان، تيسيراً على الخَلْق، ورفعاً للعسْر والعَنت والمشقة عن العباد". [مقدمة: المواد النجسة والمحرمة في الغذاء والدواء، د.نزيه حماد: ١١].

ولن نجد أبلغ من قول الله جل جلاله: ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) وقوله جل من قائل: ( يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا ) وقوله جلت قدرته: ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ).

ثم لا أجلَّ ولا أوضحَ من قول الصادق المصدوقﷺ: "إنَّ خيرَ دينِكم أيْسَرُه، إن خير دينكم أيسره". [رواه أحمد بسند حسن، برقم: ١٣٠٥٢].

التعليقات

1 - جمال ابو انفال

الأربعاء, 05 ابريل 2017 - 23:06 مساءً

بارك الله فيكم ..يا اخي هل نريد للناس ان يدخلوا افواجا في دين الله ام أن يخرجوا منه ...و كم أعجبتني مقولة الامام الثوري رحمة الله عليه .(فأما التشديد فيُحسنه كل أحد) .و الله لولا التيسير الذي حرص عليه شيخنا القرضاوي لما وجدتم من يؤدي الصلاة في بلاد الغرب...

2 - Razan

الأربعاء, 19 ابريل 2017 - 00:17 صباحاً

جزاكم الله خيرا. موضوع مهم جدا في واقعنا المعاصر

شاركنا بتعليق