الثلاثاء 23 ربيع الأول 1439 هـ الموافق 12 ديسمبر 2017 مـ
د. علي بن حمزة العمري
كتاب الفقه المضيء

المقالات

حكم ذبح الدجاجة بدل أضحية الأنعام في الحج

حكم ذبح الدجاجة بدل أضحية الأنعام في الحج

تاريخ الإضافة: الأحد, 20 اغسطس 2017 - 15:00 مساءً | عدد المشاهدات: 374

يحاول بعض المنتسبين للعلم أن يرفعوا أصواتهم بأقوال شاذة، يختارون زلاتها من بعض كتب الأئمة، دون بيان لدليلٍ مُعْتَبَرٍ، أو مَنْهَجٍ مُتَّبَعٍ؛ ليبرهنوا أنهم على سماحة في الدين، وسعة في فهم الأقوال، وتقدير لواقع الناس!

ومن هؤلاء د.سعد الهلالي، الذي أغراه بعض علمه ومنصبه؛ فادعى أن (أوصياء الخطاب الديني) -حسب وصفه- أخفوا على الناس حكمًا في الأضحية، وهو جواز الأضحية بالفِراخ - حسب قوله -!!.

وأنه هو (المذاكر) -حسب تعبيره أيضًا-؛ فعرف ما لم تعرفه الأمة وأئمتها في ١٥ قرنًا، و (ذاكر) ما لم يستطع (مذاكرته) أئمة المذاهب وفقهاء العصور!!.

وهو إذ يقول بهذا قد يكون استند لرأيٍ عند الإمام ابن حزم رحمه الله، بالجواز، مغمضًا عينيه عن مناقشة الأدلة في المسألة، وإجماع أئمة المذاهب عبر القرون على عدم الأضحية إلا ببهيمة الأنعام من الإبل والبقر والغنم.

ولو أنه أخذ ما لدى ابن حزم بدليله لكان في المسألة نظر، ولكن ما عسى لحاطب ليل أن يجمع؟!.

أو كلما نادى قائل بقول مهما كان بلا دليل اتبعناه؟!.

ونعود لجوهر المناقشة من الناحية العلمية، من خلال بيان الأدلة التالية:

- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما عملَ آدميٌ مِنْ عَمَلٍ يَومَ النَّحْرِ أَحَبَّ إلى اللهِ مِنْ إِهْرَاقِ الدَّمِ، إنها لتأتي يوم القيامةِ بقرونها وأشعارها وأظلافها، وأن الدم ليقعُ مِنَ اللِه بمكاٍن قَبْلَ أن يَقَعَ مِنَ الأرضِ". [رواه الترمذي وابن ماجه].

فهل ستُهرِقُ دم الدجاجة؛ لتأتي بقرونها وأشعارها وأظلافها؟!.

- عن أنس قال: "ضحّى النبي بكبشين أملحين، فرأيته واضعًا قدمه على صِفاحِهِما يُسمّي ويُكبّر، فذبحهما بيده". [متفق عليه].

فهل لديك هدي غير هدي النبي، أو فعل أفضل مما وصف به الصحابي فعل النبي في التشريع، من ذبح الكبش - والكبش الذي خرجت رُباعيته، والأملح الذي فيه البياض أكثر من السواد-؟!.

- عن عائشة: أن رسول الله أمر بكبشٍ أقْرنَ يطأُ في سوادٍ، ويَبرُكُ في سوادٍ، ويَنظُرُ في سوادٍ، فأُتي به ليضحيَّ به، فقال لها: يا عائشةُ، هلمّي المُدية - السكين -، ثم قال لها: اشحذيها بحَجَر، ففعلت، ثم أخذها وأخذ الكبش فأضجعه ثم ذبحه، ثم قال: باسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد، ثم ضحى به. [رواه مسلم].

فها هو بأبي هو وأمي، أمر أمرًا صريحًا أن يكون المذبوح كبشًا، ووصف اختياره وصفًا دقيقًا أن (يطأ في سواد) -أي أنه أسود القوائم-، وأن (يبرك في سواد) - أي السواد الذي يلي الأرض إذا برك فيها، وأن (ينظر في سواد) - أي ما حول عينيه سواد -. وهي الأوصاف التي عبر عنها الإمام ابن الأثير بقوله: (أي سواد القوائم والمرابض والمحاجر).

ثم ما كان منه صلى الله عليه وسلم، من استخدام السكين العريض (المُدْيَة)، وشحذ السكين بحجر، ووضع الرِّجل على الرقبة كي لا تضطرب الذبيحة، أوليس في كل ذلك ما يكفي لمعرفة أمر النبي وهديه في الأضحية، وكيف أشرك فيها من استطاع ومن لم يستطع من الفقراء وأهل بيته، بل أمته جمعاء؟!. 

وهل كان سيحرم النبي أهل بيته وفقراء صحابته من أهل الصُّفة وسواهم من الفضل والأجر لو كان يجوز التقرب إلى الله تعالى بغير الأنعام؟!.

وبعد، فقد يكون بعض أهل الصلاح من أرباب السلوك أفقه وأصدق من المتعالمين في الفقه، الزاعمين بلوغ مراميه ومقاصده، (المذاكرين) في الجامعات والمعاهد، المتهمين غيرهم بأنهم (أوصياء الخطاب الديني).

فهذا أحد الصالحين من عامة المسلمين يرى أهل المنحر يذبحون الأضاحي يوم العيد الأكبر، وهو لا يستطيع ذلك؛ فرفع يديه إلى السماء وقال: (اللهم إني أتقرب إليك بأحزاني).

وهو والله الفقيه، فقيه النص والمقصد والسلوك، ولو كان من عامة الناس، إذ رجا من الله أن يتقبل نيته وهمَّ قلبه وحسرات نفسه على فوات الذبح، وقلة الحيلة.

وباتت دعوته أقرب إلى منطق الشرع وأبلغ في فهم واقع الحال.

 

شاركنا بتعليق